سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

218

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

« وحقيقة ذلك السلب إنما هو مقدمة لاستلاب ملك مصر وفيه ترعة السويس « باب الهند » والسودان وفيه « مصوع » وسواكن على البحر الأحمر ، « باب آخر للهند » وعدن وبوغاز « باب المندب » و « جبل طارق » وكلها أبواب أو كوات وشبابيك للهند والأفغان وإيران ، وهما البابان الكبيران العظيمان اللذان سيدخل منهما إلى الهند فتستريح بريطانيا من الهند ويستريح الهنود والممالك الإسلامية الشريقة من الإنجليز وتنام في جزيرة بريطانيا العظمى ناعمة البال ألا يروعها ولا يخيفها « أبواب الهند » إذ يعود البيت إلى صاحبه ويتكفل بحراسة بابه بسيوفه وأسنة حرابه » . « صرفت كل كيدها وبذلت ما عندها من الحيل في الأفغان فلم تفلح حتى طرقتها بستين ألفا من جيوشها المنظمة بأمضى الأسلحة الجديدة ولكن لما كان الأفغانيون قوم حرب يناطحون الموت فقد هبوا ونهضوا نهضة رجل واحد وكشفوا بلاء الإنجليز عن بلادهم ، فاضطرت بعد فناء رجالها وأموالها إلى ترك البلاد الأفغانية ورجعت إلى الملاينة والمجاملة شأن الإنجليز إذا رأت من الأمة اتحادا ومقاومة فإنها تولى الأدبار وتترك الديار لألهها . وأما العجم فإنها لم تنج من حبالة شرها ومصائد مكرها ، فطالما جاملت دولة روسيا على حساب العجم وقسمتها بينهما مناطق « اقتصاد » . وكانت إذا ضربت أو عملت على كيد الأفغان لاطفت وتجملت لدولة إيران وإذا جاء دور ملاطفة الأفغان اشتدت على إيران وكلاهما في غفلة عن مصيرهما ولو عملوا « ولا بد أن يعلموا بالقريب إن شاءاللَّه » أن ما يصيب الواحد منهم اليوم من المكروه والرزايا لابد وأن يصيب الآخر في الغد . من الغرائب - وليس من طبيعة الوجود - أن يستمر سلاح الخداع والمكر لرقاب الشرقيين قاطعا ولا لجيش الوهم أن يكون للحقائق غالبا . نعم إن للوهم آثارا غريبة خصوصا في الأمم الضعيفة ، فطورا يكون مرآة المزعجات ومجلي المفزعات وطورا يكون ممثلا للمسرّات حاكيا للمنعشات وهو في جميع أطواره حجاب الحقيقة وغشاء على عين البصيرة ولكن له سلطان على الإرادة وحكم على العزيمة فهو مجلبة الشر ومبعد الخير .